السيد محمد تقي المدرسي
239
من هدى القرآن
[ 96 ] قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي رأيت شيئاً لم يروه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أي من التراب الذي داست عليه خيل جبرائيل . فَنَبَذْتُهَا قذفتها في داخل العجل . وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي زينت لي أهوائي الانحراف . لقد كان السامري - الذي ينتمي إلى سمرون ، وهو ابن يشاكر من أولاد يعقوب - وكما يبدو من الآية ممن بلغ به الإيمان درجة عالية إذ أبصر ما لم يبصره الآخرون حيث رأى أثر الرسول ، ولعلَّ السامري كان ممن ساءت عاقبته ، وهو مثال للخط المنافق في الأمة ، والذي يسعى منتهزاً الفرص ، كغياب القيادة ليصل إلى مطامعه ومصالحه المادية ، ولكن السؤال هو لماذا ينحرف كثير من المؤمنين بعد إيمانهم ، أمثال بلعم بن باعوراء والسامري والزبير بن العوام ؟ ! . والجواب كالتالي : أولًا : الانحراف في مسيرة البشر شيء ممكن لأنَّ عوامله كثيرة ، فربما يواجه فتنة معينة فيتحداها ، ولكنه حينما تترى عليه الفتن المختلفة ينهار أمام بعضها ، وأصعب فتن الحياة ، هي فتنة الرئاسة . بلعم كان مؤمناً ، ولكن حينما رأى أن موسى عليه السلام أصبح نبياً دونه ، دفعه نحو الانحراف ، حتى قال عنه الله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] ، وهكذا كان السامري من أصحاب موسى عليه السلام ولكنه لم يرضَ أن يكون هارون رئيساً عليه فاصطنع حادثة العجل ، وخدعته شهوة الرئاسة ، وكذلك الزبير فلقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يقاتل معه ويذود عنه ، ولكن حينما أراد السلطة انحرف عن القيادة الشرعية المتمثلة في أمير المؤمنين عليه السلام . إن انحراف هؤلاء يدل على وجود انحراف نفسي عميق في قلوبهم ، فلم يقاوموه ، وقد جرت عليهم الامتحانات لكي يصبح إيمانهم خالصاً ، ولكنهم انهزموا بتكرس الانحراف في أنفسهم . والصديقون هم الذين يقاومون عوامل الانحراف - من الحسد وحب الدنيا ، وإذا تحدوا واستقاموا دخلوا الجنة وإلا سقطوا في النار . ثانياً : أن ينحرف في آخر لحظة من حياته ، ويدخل النار ، فالذين يحسنون الظن بأنفسهم عادة ما ينحرفون ، وعلى عكسهم المتهمون لها .